يحيي بن حمزة العلوي اليمني

87

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

لا يتقشع ربابه ، فمن معنى كلامه ارتوى كل مصقع خطيب ، وعلى منواله نسج كل واعظ بليغ ، إذا كان عليه السلام مشرع الفصاحة وموردها ، ومحط البلاغة ومولدها ، وهيدب مزنها الساكب ومتفجّر ودقها الهاطل » . وعن هذا قال أمير المؤمنين في بعض كلامه : « نحن أمراء الكلام ، وفينا تشبثت عروقه ، وعلينا تهدلت أغصانه » . ولنورد من كلامه أمثلة ثلاثة على مثال ما أوردناه من السنة النبوية ، والقرآن الكريم ، لأن كلامه عليه مسحة وطلاوة من الكلام الإلهى ، وفيه عبقة ونفحة من الكلام النبوي . المثال الأول في الخطب والمواعظ ولقد أتى في توحيد الله وتنزيهه عن مشابهة الممكنات ، وبعده عن مماثلة المكونات ، بكلام ما سبقه إليه سابق ، ولا أتى بما يدانيه من تأخر بعده من تابع ولا لاحق ، فمن ذلك كلامه في ابتداء الخلق بعد ثنائه على الله بما هو أهله قال فيها : « فطر الخلائق بقدرته ، ودبرها بحكمته ، ونشر الرياح برحمته ، ووتد بالصخور ميدان أرضه ، ثم قال : أول الدين معرفته ، وكمال معرفته توحيده ، وكمال توحيده التصديق به ، وكمال التصديق به الإخلاص له ، وكمال الإخلاص له نفى الصفات عنه - يريد الصفات التي لا تليق بذاته - فمن وصف الله تعالى فقد قرنه ، ومن قرنه فقد ثناه ، ومن ثناه فقد جزأه ومن جزأه فقد جهله ، ومن أشار إليه فقد حده ، ومن حده فقد عده ، ومن قال ( فيم ) فقد ضمنه ، ومن قال ( علام ) فقد أخلى عنه ، كائن لا عن حدث ، موجود لا عن عدم » . إلى غير ذلك في أثناء هذه الخطبة من التوحيد البالغ ، والتنزيه الكامل ، وقد أشرنا إلى هذه الأسرار في التوحيد في شرحنا لكلامه في نهج البلاغة ، وأظهرنا مراداته في هذه الإشارات الإلهية والرموز المعنوية ، فمن أرادها فليطالعها منه ، وهذه الخطبة من جلائل خطبه ، لما اشتملت عليه من بالغ التوحيد ، وذكر أحوال المخلوقات من خلق السماء والأرض والملائكة ، وخلق آدم ، وما كان من إبليس في حقه ، ومن عرف كلام الفصحاء في منظومهم ، ومنثورهم ، ومقامات البلغاء في خطبهم ومواعظهم بعده عليه السلام إلى يومنا هذا غير كلام الله وكلام رسوله ، علم قطعا لا شك فيه أنهم قد أسفوا « 1 » في البلاغة وحلّق ، وقصروا في الفصاحة وسبق ، والعجب من علماء البيان والجماهير من حذاق

--> ( 1 ) يقال : أسفّ الطائر والسحابة وغيرهما : دنا من الأرض ، انظر لسان العرب ( سفف ) .